بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 18 أغسطس 2018

العدد الثامن لسنة 2018 // أدباء منسيون من بلادي 17 روفائيل بطي تقديم / علاء الأديب


العدد الثامن لسنة 2018

أدباء منسيون من بلادي

17
 
روفائيل بطي

تقديم / علاء الأديب






التقديم :
.........
قد لايكون مثيرا ماتناقلته الذاكرة عن روفائيل بطّي كونه رائد الصحافة الأول في العراق أو كونه جمع بين الصحافة والأدب والقانون .ولكنّ المثير مالم تعطه ذاكرة المختصين بالتاريخ الأدبي من حق لهذا الرجل باعتباره أول رائد من رواد القصيد المنثور في العراق حتى وإن كان قد ابتعد عنه لظروف قاهرة قد تكون بسبب انشغاله بالسياسة والصحافة .ولكنّني أوعز الحال هذا الى ديمومة عدم تقبل الكثيرين من أصحاب الإختصاص في التاريخ الأدبي لمثل هذه المدرسة التي لها روادها ومرتاديها ومحبيها.
لقد تعرض روفائيل بالفعل الى الكثير من الأنتقادات حول كتابته القصيد المنثور في تلكط الفترة التي كانت لاتعترف بالحداثة مطلقا ولاتسمح لها بأن تعبر عن مكنوناتها.لكنّ امتلاك الرجل لصحافته وإعلامه ساعده على نشر ماكان يكتب رغم معرفته المسبقة بأنه سيواجه حربا ضروسا للدفاع عمّا ذهب اليه سابقا جميع ابناء جيله.
ولم تكن العلاقات الطيبة بين روفائيل وشعراء التفعيلية إلا من قبيل حبّ التغيير . وهذا ما دعا روفائيل الى تشجيع السياب في اصدار مجموعته الأولى أزهار ذابلة وقدّم اليها بنفسه.
وهاهم المؤرخون يتكلمون عن روفائيل مركزّين على كونه رائد الصحافة والسياسي البرلماني والمؤرخ دون ذكرهم كونه رائد القصيد النثري في عشرينات القرن الماضي بنفس الأهميّة من التركيز.
وها نحن اليوم نجمع قدر امكاننا كلّ مانعثر عليه عن هذا العلم الذي كان مرفرفا يوما ما في سماء العراق علّنا نعيد اليه بعض استحقاقه من ذاكرة وطن.نسأل الله التوفيق.
رحم الله أديب العراق روفائيل بطي. وأسكنه فسيح جنانه.
علاء الأديب

الولادة:
..........
ولد روفائيل عيسى بطرس بطي، في مدينة الموصل، سنة 1898م، وقيل سنة 1901م(3)، وفي رأي ثالث سنة 1900م . والرأي الأول هو الأقرب للصواب، وهو من عائلة "بطي"، وهي أكثر من عائلة تحمل نفس الاسم، وكما هي عادة أهل الموصل في تصغير الأسماء اختصاراً وتخفيفاً، إذ أن اسم "بطي" هو اختصار لكلمة "بطرس"، وكانت ولادته في محلة الجولاق (محلة الأوس - الساعة حالياً) شارع البطرخانة، وفي بيئة متوسطة الحال.

تربيته ونشأته
...................

تربى في أحضان أسرة فقيرة من أصل عربي عريق ينحدر من منطقة الحيرة العربية، وهو مسيحي، ومذهبه سرياني أرثوذكسي، وآثر أن يكون شماساً، وأن يشتغل في هز ناقوس كنيسة مار توما (للسريان الأرثوذكس في منطقة الساعة)، وفق شعائر الدين المسيحي، بعد أن وجد في هذا العمل ضماناً للرزق ، إذ لم يكن والده يملك ما يعينه على رزقه، كونه كان يعمل حائكاً، ولم يكن عمله يكفي لسد حاجة أسرته.
دراسته:
..........
واصل دراسته في مدرسة مار سماك ، وتخرج من مدرسة الآباء الدومنيكان العالية عام 1914م، وعين معلماً في مدرسة مار توما للسريان الأرثوذكس، فدرس فيها اللغة السريانية، والتحق بدار المعلمين الابتدائية ببغداد، وتخرج منها، وعين مدرساً في مدرسة اللاتين، ودَرَّسَ فيها الأدب العربي. ودخل (روفائيل بطي) كلية الحقوق ببغداد، وتخرج فيها عام 1929م،

عمله السياسي:
...................

انتخب نائباً في البرلمان في الدورتين السادسة والسابعة، وكان مؤازِراً لـ (حزب الإخاء الوطني) عام1930م، وقد انتخب نائباً عن (البصرة) ست دورات متتالية منذ سنة 1935م، وفي عام 1939م نائباً عن (بغداد)، ثم انتخب عميداً للصحفيين، ورحل إلى (مصر) عام 1946م، وبقي فيها حتى عام 1948م، وأصبح وزيراً بلا وزارة، ثم عين موظفاً في مديرية المطبوعات، وفصل لتأييده (سعد زغلول) في (مصر)، وعين مديراً عاماً في وزارة الخارجية عام1950م، ووزير دولة لشؤون الدعاية والإعلام عام 1953م، وترك الوزارة عام 1955م، ومارس المحاماة.
أعماله :
...........

×لما كان في سن السادسة عشر أصدر أول مجلة شهرية باسم (اليراعة)، فأعدها وهيأ موادها، لكن الظروف حالت دون طباعتها.
×ترأس تحرير جريدة (العراق) البغدادية من 1921-1924م.
×أصدر مجلة (الحرية) في الفترة من 1923-1925م، وكانت فاتحة المجلات الأدبية الشهرية في العراق، وجعل المجلة تتسع لنشر نتاجات الأسماء الأدبية العربية، ومنها: سلامة موسى، وعيسى اسكندر المعلوف، وكذلك ظهر على صفحاتها رواد العراق: كالزهاوي، ومحمد حبيب العبيدي، وعلي الشرقي، وغيرهم.

×أصدر جريدة (الربيع)، وأنشأ جريدة (البلاد) اليومية التي عاشت 27سنة، ثم استمر بها أولاده حتى عام 1963م، وهو عام إلغاء الصحف العراقية. وكانت جريدة (البلاد) من أرقى الصحف الحكومية في العراق، وحرص على إعطاء جريدته مكانة مشابهة لمكانة صحيفة (التايمز) اللندنية، وكان من كتابها البارزين: فهمي المدرس، ومحمد رضا الشبيبي، ومعروف الرصافي، وغيرهم الكثير، وأقفلت الجريدة عدة مرات، فكان في خلال توقفها يصدر غيرها، مثل: (صوت العراق)، و(الأخبار)، و(التقدم)، و(الجهاد)، و(الشعب)، و(الزمان)، و(نداء الشعب)، وهو أول من أسهم بنشر تقارير مؤسس الحزب الشيوعي العراقي (يوسف سلمان يوسف - فهد -) وكان يرسلها إليه من الناصرية والبصرة، وهي تتحدث عن مآسي العمال والفلاحين وعمال البواخر وكابسي التمور.
×ترك (روفائيل بطي) مع التراث الصحفي المتقدم، والمتمثل بالصحف التي أصدرها، أو التي ترأس تحريرها، مصنفات تدل على إلمامه وتمكنه من علوم ومعارف وآداب وصحافة عصره.
مآثره المنشورة
.....................

. × الأدب العصري في العراق/ 1923/ جزءان/ ترجم فيه لطائفة من شعراء العراق المعاصرين
. × أمين الريحاني في العراق/ 1923
. × الربيعيات/ 1925
. × يوم زلزلت الأرض زلزالها نشرت ملحقاً لجريدة العراق/ رواية مترجمة
. × الأدب الجديد/ 1925
6. × الصحافة في العراق (الصحافة العراقية)/ 1955/ محاضرات ألقاها في معهد الدراسات العربية العليا في القاهرة/ مصر، وخرجت ضمن مطبوعات المعهد، وخرجت بطبعة ثانية بعنوان صحافة العراق.
. × سحر الشعر/ في 3 أجزاء
. × فيلسوف من بغداد في القرن العشرين/ الزهاوي
. × فيصل الأول في خطبه وأقواله
. × الملكة عالية الهاشمية
. × ذاكرة عراقية (1900-1956)/ 2000

كتب ومؤلفات مخطوطة كاملة
...................................
. × معروف الرصافي
. × العقد المنظوم في شعر الرسوم
. × الأدب العصري في العراق/ الجزء الثاني /قسم المنثور
× عالم الأدب/ وهذا الكتاب قام (روفائيل بطي) ببيعه لـ(محمود حلمي) صاحب المكتبة العصرية في بغداد سنة 1925 لحاجته وإيفاء ديونه المتراكمة.
. × الأب أنستاس ماري الكرملي
. ×جميل صدقي الزهاوي

مؤلفات مخطوطة غير كاملة:
.....................................
× نقد الأدب العصري في العراق العربي/ 4 أجزاء
. × مملكة العراق الحديثة ومستقبلها
. × أعمدة العراق السبعة
. × شبلي شميل
.× أدباء العراق في القرن التاسع عشر

×من هو؟ شخصيات: شخصيات عربية
. × المرأة العراقية الحديثة
. × الحياة البرلمانية في العراق
. × تاريخ الأحزاب الوطنية الأولى
. × إبراهيم اليازجي
. × من هو؟ شخصيات عربية
. × سليمان البستاني في العراق
. × مذكرات عبد الإله
. × حرية الفكر في العراق

ومن إنجازاته الأخرى
..........................
هو أول من أدخل صفحة (العراق في الصحف الأجنية)، التي ما تزال الصحف العراقية تتبعها حتى اللحظة. ومن الكتب التي صدرت عن (روفائيل بطي)، نشر قبل أعوام ولده الأستاذ (فائق بطي): (مذكرات روفائيل بطي) عن (دار المدى) العراقية في مجلدين، فضلاً عن كتاب: (روفائيل بطي وريادة النقد الشعري الحديث) لـ(حاتم الصكر) عن (دار الجمل) في كولونيا/ 1999م، ورسالة ماجستير في الصحافة بعنوان: (روفائيل بطي صحفياً) للباحثة (انتصار عباس سوادي المالكي) .)

أول رائد من رواد القصيد المنثور
........................................

من المثير حقاً أن نرى أن أول (قصيدة نثر) مكتوبة في العراق ترقى لسنة 1920؟. وبالطبع فإننا نتحدث هنا عن نصٍّ سيُوَصَّف أنه أقرب إلى الخاطرة كما نقول اليوم مما لفهمنا الحالي للشعر الحديث. لكن يجب أن لا ننس البتة أن هذه الخاطرة نفسها وليس شيئاً سواها هو ما كان يشكِّل جوهر ومادة الشعر “الموزون المقفى” في زمن رفائيل بطي. كانت الفكرة المعتبرة من طينة شعرية، الخاطرة، هي التي توضع يومذاك في قالبٍ موزونٍ وتصير بالتالي نصاً شعرياً تقليدياً. كان الهمُّ الجذريّ لبطي هو الذهاب في تلك المجموعة إلى ما كان يعتبره (الشعري) و(الشعرية) من دون أن يتمسّك بالعُدّة الكلاسيكية، الوزن والقافية. هنا تقع كل الإثارة في هذه المجموعة، وفي جميع المجاميع المماثلة الممكنة المكتوبة في لبنان خاصة في تلك الفترة. كان بطي مقتنعاً تماماً بأنه يكتب الشعر وليس شيئاً آخر بحيث أن عناوين “قطعه” لا تختلف عن ذاك النمط من العناوين السائدة في الشعر الموزون المعاصر له. كتب بطي يقول في مذكراته: “نمت البارحة بشيء من القلق، لا أعلم المصير، وقد استيقظتُ وأخرجتُ بعض القطع الأدبية لي لضمها إلى كتاب (الربيعيات) الذي أهمّ بطبعه، وبعد يومين، نشرت لي جريدة (المفيد) البغدادية مقال (يقظة الجمال) وهي فصل من (الربيعيات) إلا أنها شحنته بالأغلاط المطبعية”.
برغم أنه يستخدم مفردة (مقال) في وصف قطعته (يقظة الجمال)، فإن بطي كان يتمسك بفكرة أن ما يكتبه هو نوع من الشعر وليس ضرباً إبداعياً آخر، بل أن وعيه النقدي حول الموضوع كان يذهب إلى مدى عميق وهو يلقي بشذرات نقدية عن (قصيدة النثر) مما يمكن أن يكون بعض كلامنا المعاصر. كتب يقول سنة 1926: “سألني حليم دموس، الشاعر الناثر في بيروت أن أكتب رأيي في الشعر العصريّ في ستة أسطر لينشرها بخطِّي مع رَسْمِي في مجموعته الشعرية (المثالث والمثاني)، فأجبته بما يأتي: أما ومدى العاطفة والحس والخيال لا يقف عند حد، فالعجب كل العجب من إصرار ناظمين على التمسك بالوزن والقافية (واعتقادي) أن المستقبل للشعر المنثور..”.
لقد كتب رفائيل بطي هذا الكلام في أواسط العشرينيات أي بوقت أبكر كثيراً من التطورات الجذرية في بنية وروح الشعر العربي الحديث. وهو كلام كان يشدّد على الفكرة الأساسية التي ينطلق منها التصوُّر الحالي لقصيدة النثر: لا الوزن ولا القافية وحدهما ما يمنح الكلام شعريته. أما اعتقاده أن المستقبل للشعر المنثور فهو نبوءة مبكرة مدهشة تستحق التأمل، وتدلُّ قبل كل أمر على رسوخ قناعته بالأشكال الجديدة، المتوالِدَة من الحاجات والضرورات الروحية والإنسانية المستجدِّة على الدوام. ستستخدم مجلة (المشرق) البيروتية في العدد 10عام 1925 مصطلح (الشعر النثري) في تقديمها للمجموعة معلنة مخاوفها من تحوُّل هذا النمط من الكتابة إلى ظاهرة ثقافية: “هذه الربيعيات زهرات اقتطفها صاحبها من مجلته (الحرية)، فجاءت طاقة من زهور منمقة تختلف لوناً ورائحة وقيمة. بينها كثير مما يدعى اليوم بالشعر النثري مما يستحبه ذوق بعض المصريين ويراه غيرهم شقشقة لسان من دون جدوى. والله يستر البلاد إن انتشرت هذه الطريقة الكتابية في أقطارنا. فيتلهى القراء بالقشرة ويهملون اللباب.
أن توقف رفائيل بطي عن المضيّ في تطوير تجربته في الشعر المنثور تجد تبريراتها في انشغاله الكامل بالكتابة السياسية والفكرية والتاريخية، من جهة، ومن جهة أخرى في عدم تقبُّل الثقافة العراقية في العشرينيات مثل هذا النمط في الكتابة، وهو ما يدل عليه تقريظ الصحافة اللبنانية والمصرية (للربيعيات) مقارنة بالصمت المريب لصحافة العراق بل نقدها القاسي له.

رفائيل وليس روفائيل:
.........................
كان يغتاظ إذا ظهر اسمه بزيادة الواو ويعتبر ذلك من الأخطاء الشائكة الفاحشة. وكما كان المرحوم يعتبر كتابة اسم رفائيل " بالواو الزائدة خطأ فقد كانت جموع وصيغ لغوية غير قليلة يعتبرها خطأ ان لم تكتب على الوجه الصحيح الذي يراه هو ، وقد شاركه آخرون أيضا في ذلك الوجه .ومن ذلك كلمة "المدير" فهو يجمعه "المديرون " وليس المدراء و"الكاتب"ويجمعه "الكاتبون " وليس "الكتاب" بل انه كثيرا ما يفضل الجمع المذكر السالم على جمع التكسير حتى بالنسبة للجموع الصحيحة !..كما اهتم الصحفي روفائيل بطي بألوان مختلفة من الصحافة واسهم بمواكبة الحديث منها إذ افرد بابا خاصا في جريدته (البلاد) تحت عنوان " سينما الحياة" يكتب فيه بتوقيع "راء.

بين الصحافة والأدب والقانون :
.......................................

حاول أن يوآخي بين الصحافة والأدب وبينها وبين القانون، متّخذاً منها منبراً للتربية، بما فيها السياسية، ممثلا إرهاصا حداثياً مبكراً. يمكن القول إن أربعة روافد أساسية أسهمت في تكوين شخصية روفائيل بطي وثقافته، وهذه الروافد هي نشأته المسيحية بما فيها من تسامح، فقد تخرّج من مدرسة الآباء الدومينيكان 1914، وبيئته الثقافية العروبية الموصلية الأولى، حيث عمل مدرّساً في مدرسة "مار توما" للسريان الأرثوذكس، ثم الفضاء البغدادي الذي أضاف إليه الشيء الكثير من التنوّع والتعددية وقبول الآخر، سواءً دراسته في كلية الحقوق وتخرجه منها عام 1929 أو عمله في الصحافة، ولا شك أن علاقاته مع محيطه العربي أكسبته نكهة انفتاحية، فضلاً عن توسيع آفاقه، خصوصاً وقد أسهمت علاقاته عربياً لاحقاً في حضوره متجاوزاً حدود العراق، سواءً علاقته مع أمين الريحاني أو نشر كتابه عن الصحافة في القاهرة. اجتمع في قلم بطي أربعة حقول أيضاً، ولعل الحقل الأول هو حقل التربية، حيث عمل مدرّساً واكتسب طريقة مؤثرة في خطابه، فيها شيء من علم النفس وعلم الاجتماع ووسائل التربية، والحقل الثاني هو حقل القانون، فقد تخرّج من كلية الحقوق، ولذلك امتازت لغته بالرصانة والدقة والمسؤولية. والحقل الثالث حقل الصحافة، وحسب ألبير كامو: الصحافي وهو مؤرخ اللحظة، ولذلك كان يسعى لتدوين تاريخ اللحظة الصحافية، أو دعني أقول: تدوين اللحظة التاريخية صحافياً. عمل في الصحافة منذ يفاعته، حيث أصبح رئيساً لتحرير جريدة "العراق" التي كان صاحبها رزّوق غنّام، كما عمل رئيساً لتحرير مجلة "الحرية"، ولكن شهرته كصحفي بارز جاءت من جريدة البلاد التي تأسست عام 1929 بالتعاون مع جبران ملكون. أما الحقل الرابع فهو حقل الأدب، الذي امتزج مع الصحافة وذاب أحدهما بالآخر في تعانق لا انفكاك فيه، فقد كان يسيل من قلمه حبر الأديب وخيال الشاعر بقدر اللغة القانونية المسبوكة ومعها كان يضخّ ما يريد بأسلوب تربوي مؤثر وعميق. تأثر روفائيل بطّي بجرجي زيدان وجبران خليل جبران، فضلاً عن علاقته بأمين الريحاني، الذي كتب عنه كتاباً منذ وقت مبكر في عام 1923.
روفائيل بطي سياسيّا
...........................

كان روفائيل بطي مثل غيره يتطلّع لأن يلعب دوراً سياسياً، وكانت عينه على البرلمان، فأصبح عضواً فيه في عام 1935 نائباً عن البصرة، وفي عام 1939 نائباً عن بغداد. وعلى الرغم من أنه في شبابه كان مناوئاً للإنجليز وأقرب إلى التيار القومي العربي التقليدي، حيث سجن بعد حركة رشيد عالي الكيلاني والحرب العراقية ــــ البريطانية في عام 1941، إلا أنه تراجع لاحقاً عن ذلك، حيث ألّف كتاباً عن الملك فيصل، وتم استيزاره فيما بعد، ولعل موقفه هذا يمثّل انتقالا من المعارضة إلى التعاون مع السلطة، لكن صحيفته بالرغم من ابتعاده عن التيار القومي وموقفه المعارض لانقلاب بكر صدقي عام 1936، كانت أقرب إلى المهنية حسب مواصفات تلك الأيام، على الرغم من تأثّره بساطع الحصري فيلسوف الفكر القومي التقليدي في العراق، وأنستاس الكرملي الذي كان يمثل العروبة الثقافية والتنوّع. هكذا ظلّت تتنازعه ثلاثة اتجاهات، الأول: انحداره العروبي وقناعاته بفكر ساطع الحصري وانضمامه إلى حزب الاستقلال ودعمه لحركة رشيد عالي الكيلاني. والاتجاه الثاني مجاملاته لليسار، حيث كان فهد الذي أصبح أمين عام الحزب الشيوعي يراسل جريدة البلاد وبعض المحسوبين على التيار اليساري ينشرون مقالاتهم في صحيفة البلاد بين الفترة والأخرى. أما الاتجاه الثالث فهو مصالحه التي اكتشفها مع رجالات العهد الملكي وليس مع المعارضة، الأمر الذي أخذه عليه بعض المعارضين حين احتسبوا مواقفه محاباة للسلطة، لا سيما عندما عُيّن وزيراً لشؤون الدعاية والصحافة في حكومة فاضل الجمالي في عام 1953، وسكوته عن قمع الصحافة، بل مشاركته في ذلك، وبسبب ذلك، وقبلها، تصدّعت علاقته بحزب الاستقلال بزعامة محمد مهدي كبة، حيث انتمى إليه، ثم اختلف معه سريعا واستقال. وعلى الرغم من صداقته مع سعد صالح وزير الداخلية في عام 1946 فإن موقفه من حرية الصحافة يختلف عنه، ففي حين أطلق سعد صالح، الذي توفي في 17 شباط (فبراير) عام 1949، حرية الصحافة وأجاز خمسة أحزاب سياسية بينها حزبان ماركسيان هما حزب الشعب بقيادة عزيز شريف وحزب الاتحاد الوطني بقيادة عبد الفتاح إبراهيم، إضافة إلى حزب الاستقلال وهو حزب قومي عربي بقيادة محمد مهدي كبة، والحزب الوطني الديمقراطي بقيادة كامل الجادرجي، وحزب الأحرار الذي ترأسه توفيق السويدي، ثم انتقلت القيادة إلى سعد صالح، كما بيّض السجون بإطلاق سراح المعتقلين والسجناء في فترة لم تتجاوز 97 يوماً (هي فترة الوزارة)، فإن بطي اتجه اتجاهاً آخر بتقييد حرية الصحافة وتشديد الرقابة في ظرف اتسم بالتشدد والحدّة، خصوصاً بعد "انتفاضة تشرين" عام 1952. ولكي لا نجانب الحقيقة، فلا بدّ من القول إن الأوضاع السياسية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، هي غيرها في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين، وقد اختلفت الظروف كثيراً. ففترة سعد صالح جاءت بعد خطاب الوصي الذي بشّر بالإصلاحات، لا سيما بعد انتهاء الحرب وبدء موجة من التحوّل الديمقراطي عالمياً في فضاء من الانفتاح، في حين أن فترة بطّي كانت الوزارة بقيادة الدكتور محمد فاضل الجمالي التي عملت على تحضير الأجواء بعد مشروع النقطة الرابعة الأمريكي لقبول حلف بغداد الذي تم عقده في عام 1955 خصوصاً بإصدار عدد من القوانين الغليظة وتقييد الحريات وقمع حرية الصحافة ومكافحة ما يسمى بالأفكار الهدّامة. لكننا لا يمكن أن نبخس حق بطّي وهو أحد رواد الصحافة الكبار لموقف سياسي أو لقبوله منصباً حكومياً لفترة محدودة، حتى وإن كان خاطئاً، وبغض النظر عن التقييمات السلبية المشروعة، إلا أن جريدة "البلاد" كانت وجهاً مشرقاً للصحافة العراقية وإحدى المدارس المهنية المهمّة في الإعلام العراقي، وهي مدرسة معمّرة بلا أدنى شك، واحتلّ بطي مكاناً بين أسماء كبيرة في حينها في عالم الصحافة، ولولا موهبته لما كان يستطيع الاستمرار، بل حتى الدخول في الصحافة البغدادية وهو الشاب الموصلي المسيحي القادم لتوّه إلى بغداد. وإضافة إلى مساهماته الصحافية المتميّزة فقد ألّف عدداً من الكتب منها: كتاب الصحافة في العراق الذي صدر في القاهرة عام 1955، وكتابه عن أمين الريحاني كما جرت الإشارة إليه، ولعل ذلك سبب فتور علاقته مع الجواهري الكبير، فالأخير كان عدوًّا للريحاني، وكتب مقالة عنه عند زيارته بغداد بعنوان "جاسوس في فندق تايكر بالاس". ومن كتبه الأخرى كتاب: الأدب العصري في العراق، واختار نماذج من الأدب المنظوم والأدب المنثور، وقد حاول بطي أن يكتب قصيدة النثر، وجرّب ذلك في كتابه الربيعيات، أي أن ميله كان حداثياً ويمكن اعتباره من مؤيدي مدرسة الشعر الحر وهي المدرسة الصاعدة التي مثلتها نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي، ومن بعدهم سعدي يوسف وغيرهم، وكان نثره بليغاً ويمتاز بلغة أنيقة، كما أسهم في ترجمة عدد من الروايات العالمية. لقد جمع بطي بين لغة الصحافة حيث الخبر والمعلومة، ولغة السياسة حيث التأثير والاقتناع، ولغة الأدب حيث الخيال والجمال والفن، ولغة القانون حيث الدقة والرصانة، وكل ذلك بأسلوب متميز، ولعله يمكننا تسجيل موقف لبطّي، حيث كان من أنصار قضية تحرر المرأة، وداعياً للاختلاط بين الجنسين، على الرغم من الظروف الاجتماعية التقليدية التي يعيشها العراق آنذاك. وإذا كان روفائيل بطي قد ولد في مدينة الموصل عام 1901، فقد توفي في بغداد عام 1956 واستمرت صحيفة البلاد من بعده برئاسة نجله فايق بطي إلى ما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ولكنها توقّفت بعد انقلاب عام 1963.
وفاته:
.............

منهاج يومه الذي لم ينفذه هو المنهاج الذي ظل في جيبه ، حين شعر صباح 10 نيسان 1956 بضيق وألم ـ وكان لا يشكو من شيء في الليل الفائت ـ ثم اتصلت السيدة عقيلته ـ التي انتقلت إلى جوار ربها قبل بضعة أشهر ـ بالجريدة تبلغ من فيها بأنها غير مرتاحة إلى حالة الأستاذ وما ان كانت الساعة العاشرة حتى صعد " أبو بديع" إلى الطابق الثاني وارتاح إلى فراشه ، ثم كانت راحة أبدية ، هرع بعدها الناس إلى الدار ليشاركوا في تشييعه .
رحم الله أديبنا روفائيل بطّي وأسكنه فسيح جنانه
وإلى أديب منسي آخر من أدباء بلادي
أستودعكم الله.

المصادر:
.............
×صحيفة المعرفة
×الموسوعة العراقية
×الحوار المتمدن
×صحيفة عين كاوا كوم
×جريدة العرب الأقتصادية الدولية
×مجلة الحوار
×الأستاذ حاتم الصكر
×صحيفة الأخبار

علاء الأديب
تونس/نابل
13-8-2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق