بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 24 أغسطس 2017

العدد التاسع لسنة 2017 ... الشاعر المجنون إدريس محمد جمَّاع ... قدّمها الشاعر العراقي حيال الأسدي



العدد التاسع لسنة 2017

الشاعر المجنون إدريس محمد جمَّاع

قدّمها الشاعر العراقي حيال الأسدي
 




هو الشاعر السوداني المرهف الإحساس
إدريس محمد جمَّاع
 




من مواليد مدينة حلفاية الملوك/السودان عام (1922م) ،
و توفي عام 1980، نال الليسانس في اللغة العربية من دار العلوم بمصر و دبلوم التربية ....و عمل في التعليم ....
تخرج في كلية دار العلوم، وعمل مدرساً فى معهد التربية بمدينة شندى شمال الخرطوم ثم ببخت الرضا بمدينة الدويم...
سافر عام 1946 والتحق بمعهد المعلمين بالزيتون فى مصر،وعاد سنة 1952 الى السودان وعمل معلما بمعهد التربية بشندى ثم انتقل الى مرسة الخرطوم بحرى الثانوية.

عُرف عن الشاعر إدريس محمد جمَّاع بأنه مرهف الحس سريع فى نظم الشعر بارع فى صياغته، وكان كثير التأمل فى الجمال،
خاض جمَّاع تجربة الحب مرة واحدة في حياته، عاشها بكل إحساسه وجوارحه ووجدانه، وكانت تجربة قاسية مرة،
دخل رياض الحب و صدح وغنى ولكنه عجز عن الوصول إلى هدفه وغايته فمحبوبته صارت الى غيره وخيم عليه الحزن واليأس إلى درك صعب الإحتمال وشنَّ هجوماً على نفسه وساءتْ حالته الصحية والعقلية إلى درجة كبيرة.
كان جمَّاع تائهاً بشَعْرِه الأشعث متجولاً في أسواق الخرطوم لا يحدِّث أحداً،
متسارعا في خطاه كأنما كان يبحث عن شيء ضائع،
في ذلك الزمن في الستينيات كتب العديد من الأدباء والشعراء مطالبين حكومة الرئيس( إبراهيم عبود) التي اهتمت يومذاك بالفن والشعر بأن ترسل جماع للعلاج في الخارج،
و أُرسل جمَّاع إلى لبنان، وعاد مرة أخرى إلى السودان، ولكن لم تتحسن حالته الصحية
إلى أن توفاه الله في 1980.

و يحكى أن الشاعر إدريس محمد جمَّاع ﻓﻘﺪ ﻋﻘﻠﻪ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﺃﻳﺎﻣﻪ فأدخل ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺍﻟﻤﺠﺎﻧﻴﻦ ، ﻭ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻫﻠﻪ ﺃﻥ ﻳﻌﺎﻟﺠﻮﻩ في اﻟﺨﺎﺭﺝ ، وسافروا به إلى لندن ﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻄﺎﺭ ﺭﺃﻯ إﻣﺮﺃﺓ ﺟﻤﻴﻠﺔ ﺑﺮﻓﻘﺔ ﺯﻭﺟﻬﺎ ﻓﺄﻃﺎﻝ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻭ ﺍﻟﺰﻭﺝ الغيور ﻳﺤﺎﻭﻝ ﺃﻥ ﻳﻤﻨﻌﻪ ﻓﺄﻧﺸﺪ الجمَّاع ﻳﻘﻮﻝ :

ﺃﻋَﻠَﻰ ﺍﻟﺠﻤﺎﻝِ ﺗﻐﺎﺭُ ﻣِﻨّﺎ
ﻣﺎﺫﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺇﺫْﺍ ﻧﻈﺮْﻧﺎ
 

ﻫﻲَ ﻧﻈﺮﺓٌ ﺗُﻨﺴِﻲ ﺍﻟﻮَﻗﺎﺭَ
ﻭﺗُﺴﻌِﺪ ﺍﻟﺮّﻭﺡَ ﺍﻟﻤُﻌﻧَّﻰ
 

ﺩﻧﻴﺎﻱ ﺃﻧﺖِ ﻭﻓﺮﺣﺘِﻲ
ﻭﻣُﻧَﻰ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩِ ﺇﺫﺍ ﺗَﻤﻧَّﻰ
 

ﺃﻧﺕِ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀُ ﺑَﺪَﺕْ ﻟﻨﺎ
ﻭﺍﺳﺘﻌﺼﻤَﺖْ ﺑﺎﻟﺒُﻌﺪِ ﻋﻧَّﺎ
 

هلاَّ رحـمتَ مـتيمـاً
عصفتْ به الأشواقُ وهْنا
 

وهفَّتْ به الذكرى فطافَ
مع الدُجى مغْنى فمَغْنَى
 

هـزَّتْهُ مـنكِ مـحاسِنٌ
غنَّى بها لـمّـَا تـغنَّى
 

يا شعلةً طافتْ
خواطرُنا حَوَالَيْها وطفْنا
 

أَنسَتْ فيكِ قداسةً
ولـمستْ إشراقاً وفناً
 

ونظرْتُ في عينيكِ
آفاقاً وأسـراراً ومعْـنى
 

كلّمْ عهـوداً فى الصـبا
أسألْ عهـوداً كيف كـُنا
 

كـمْ باللقا سمـحتْ لنا
كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا
 

ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ
ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا


ﻭ سمع بهذه القصيدة ﺍﻷﺩﻳﺐ ﻋﺒﺎﺱ ﻣﺤﻤﻮﺩ ﺍﻟﻌﻘﺎﺩ فسأل ﻋﻦ ﻗﺎﺋﻠﻬﺎ ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ ﻟﻪ: ﺇﻧﻪ ﺍﻟﺸﺎﻋﺮ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲ "ﺇﺩﺭﻳﺲ ﺟﻤَّﺎﻉ" ﻭﻫﻮ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﺸﻓﻰ ﺍﻟﻤﺠﺎﻧﻴﻦ .. ﻗﺎﻝ : طبعاً ﻫﺫﺍ ﻣﻜﺎﻧﻪ ، ﻷﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻪ ﺫﻭﻭ ﺍﻟعقل ... !!
ﻭ حين ﺫﻫﺒﻮﺍ ﺑﺈﺩﺭﻳﺲ جماع ﺇﻟﻰ ﻟﻨﺪﻥ ﻟﻠﻌﻼﺝ ﺃُﻋﺠﺐ ﺑﻌﻴﻮﻥ ﻣﻤﺮﺿﺘﻪ الإنجليزية ﻭ ﺃﻃﺎﻝ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻬﺎ، فأﺧﺒﺮﺕْ ﻣﺪﻳﺮ ﺍﻟﻤﺴﺘﺸﻔﻰ ﺑﺬﻟﻚ ﻓﺄﻣﺮﻫﺎ ﺃﻥ ﺗﻠﺒﺲ ﻧﻈﺎﺭﺓ ﺳﻮﺩﺍﺀ ﻓﻔﻌﻠﺖ، ﻭ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺟﺎﺀﺗﻪ ﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ جمَّاع ﻭ ﺃﻧﺸﺪ:

ﻭﺍﻟﺴَﻴْﻒُ ﻓِﻲ ﺍﻟﻐَﻤْﺪِ ﻻ ﺗُﺨْشَى ﻣَﻀَﺎﺭﺑُﻪ ﻭَ ﺳَﻴْﻒُ ﻋَﻴْﻨَﻴْﻚِ ﻓِﻲ ﺍﻟﺤَﺎﻟَﻴْﻦ ﺑَتَّارُ!!
و ﻋﻨﺪﻣﺎ تُرﺟِﻢ هذا ﺍﻟﺒﻴﺖ ﻟﻟﻤﻤﻤﺮﺿﺔ الحسناء ﺑﻜﺖْ وتعاطفتْ مع جمَّاع .
وقد صُنف ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻴﺖ كأﺑﻠﻎ ﺑﻴﺖ ﺷﻌﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺰﻝ في اﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ.

و للشاعر المجنون إدريس محمد الجَمَّاع أبيات تعتبر هي الأبلغ في اليأس والتشاؤم وقلَّة الحيلة:

إن حَظّي كَدَقيْقٍ فَوْقَ شَوْكٍ نَثَرُوْه
ثُمّ قَالُوا لِحُفَاةٍ يَوْمَ رِيْحٍ إجْمَعُوْه
 

صَعُبَ الأَمْرُ عَلَيْهم قالَ قَوْمٌ أُتْرُكُوْه
إنَّ مَنْ أَشْقَاهُ رَبِّي كَيْفَ أَنْتُم تُسْعِدُوْه؟!!



يصف الشاعر هنا حظَّهُ بأنه كالدقيق (الطحين) الذي نُثِرَ بين أشواكٍ قاسية ، ثم طلبوا من أناس حفاة الأقدام في يوم عاصف الريح أن يجمعوه فحاولوا كثيراً دون جدوى لأن الأمر صعبٌ جداً، فقال أناسٌ آخرون:
أن محاولتكم هذه بائسة فاتركوه لأنه ضربٌ من المحال، لأن الذي كتب الله عليه الشقاء وقلة الطالع كيف لكم أنتم أن تحقِّقوا له أمنياته لينعمَ بالسعادة؟!!

كثيرٌ منا مَنْ سمع بهذه الأبيات وردَّدها ، حين يندبُ حظَّه يوما، وكثير من تلذَّذَ بها بألمه ، لكن ليس كتلذُّذِ الشاعر الجمَّاع ، حين نسي حظَّه ان ينسي كل من حوله ويجوب الطرقات ، كآخر ما يتذكر النّاس عنه ، انه يحاكي نفسه ، ولايفهمه الناس ، حين قرر ان يحادثها حديث الشجون للجنون .
ولدينا المزيد من قصائد هذا الشاعر المجنون ربما سننشرها لاحقاً.


حِيَال مُحَمَّد الأَسَدِي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق